…الثورة

كتبهاحمدى2 ، في 12 نوفمبر 2009 الساعة: 09:19 ص

 

فجأة سمع الفلاحون أن هناك ثورة قام بها الجيش فى القاهرة وأنهم قد حاصروا الملك فى قصره وأعلنت حالة حظر التجول فى البلاد ،وفى لحظات قليلة كانت القرية غالبها الاعم أمام القهوة الوحيدة بها لسماع الاخبار من الراديو المعلق على الرف الخشبى،حتى أن الوقفة قد طالت فافترش الناس الارض وقد تناسوا اعمالهم ومصالحهم،حتى خرج عليهم صاحب القهوة وهو يأمرهم بالسكوت والانصات ،فهناك بيان يذاع الان ،وسكت الناس يحاولون الاستماع وكأن على رؤوسهم الطير،حتى سمعوا بآذانهم أن الثورة قد قامت لتطهير البلاد من الفساد والخونة ،فقاموا جميعا" يهللون ويرقصون وبعضهم قد تدحرج على الارض غير مصدق من الفرحة وكأنه يحلم ،بينما الفلاحون الذين ظلمهم الباشا وانتزع ارضهم وحولهم الى أجراء عنده ،كانت فرحتهم أشد وأعمق فقد حلموا باسترداد ارضهم مرة أخرى،وتسلل هؤلاء المظلومين الى بيوتهم دون أن يقول أحدا" للاخر عما ينويه ،واذا بهم يجتمعون أمام سراى الباشا وفى يد كل منهم وسادة وغطاء ،فقد توحدت الفكرة فى رؤوسهم فى وقت واحد دون سابق انذار،وأخذ كل واحد منهم ينظر الى الآخر وتعلو وجهه ابتسامة عريضة لاجتماعهم على هدف واحد ،وافترشوا الارض بجوار سور السراى فى محاولة لمنع أى فرد من الخروج منها ،فقد اعتقدوا أنهم سوف ينالون حقهم بهذه الطريقة،وأن الباشا سيوزع عليهم ارضهم المسلوبة لينجو من براثنهم وسيخاف بطشهم ،وعندما رأى الخدم فى السراى هذه الجموع تفترش الارض ،أخبروا الباشا بما كان ،فخرج عليهم ومعه سائر خدمه وفى يد كل" منهم كرباجا" من الجلد ،وقال لهم ماهذا ولما اتيتم الى هنا ،فتجرأ أحدهم وقال نريد أرضنا التى أخذتها منا ،فما كان من الباشا الا أن أخرج مسدسه وأطلق منه بعض الاعيرة النارية فى الهواء لتفريق هذا الجمع المحتشد ،وأسرع الخدم بضرب كل من طالته ايديهم ،وجرى الفلاحون أمامهم كقطيع أغنام ضالة ،والباشا يقهقه ملىء شدقيه ،وانصرف كل واحد الى داره يطفىء الحلم فى نفسه وهو يجر اذيال الخيبة وراءه ،وفى العصر يعلم بعض مثقفى القرية بما كان من ثورة الفلاحين على سراى الباشا ورد فعله تجاههم ،فيأمروهم بمراقبة السراى ومخازن القطن والغلال دون أن يشعر أحدا" بهم فى مجموعات متفرقة ،وأخبروهم أن رجال الثورة فى القاهرة سيرسلون من يتحفظ على أملاك الباشا جميعها لانها أصبحت ملكا" للشعب،تنتعش الآمال مرة أخرى لهؤلاء الضحايا وينفذوا ماأمروا به دون جلبة ،حتى كانت محاولة فى الليل من الباشا بتهريب الاموال والجواهر وحجج الملكية للاراضى ،فخرج عليه الرجال وأمروه أن يعود الى السراى مرة أخرى ،وأخبروه أن رجال الثورة فى الطريق الى السراى الان ،صدق الباشا الرواية وساومهم بالاموال ،وأحس الفلاحون بضعفه أمامهم فاقتادوه عنوة الى داخل السراى وأحكموا غلق الابواب من الخارج ،وجلسوا أمامها فى نشوة كبرى ،وتعالت أصواتهم تهز سكون الليل ،وانتقل الخبر الى القرية فخرج الرجال مرة أخرى وحاصروا السراى وفى أيديهم العصى وأفرع الاشجار الجافة .

يعود الحاج سيد من السوق مبكرا" هذه المرة فقد علم من التجار أن الثورة قد قامت فى القاهرة ،وقد أكله القلق والخوف على ابنه الذى غادر القرية ولايعلم الى أين وجهته برغم طمئنة بكر لهم بحتمية ذهابه الى السكن الخاص به بالقاهرة ،الا أن الرجل ازداد خوفه على ابنه بعد أحداث الثورة ،وخيل له أن مصر الان كلها معارك تدور بالشوارع بين أطراف الصراع ،ولابد أن أبنه قد أصابه مكروها" ،يذهب الى الغرف فى الدار يبحث فيها عن بكر أو أحد ابنائه ،فلا يجد سوى ابنته وأخته فاطمة ،بينما بهية وسعاد فى المنزل الريفى منهمكتان فى شئونه ، يـأمر سعاد ابنته أن تنادى على أمها ،وتعود بهية مسرعة اليه ،وقبل أن ينطق قالت له ،السعيد ياحاج فى مصر ولا نعرف عنه شيئا" ، الدنيا قائمة على رجل واحدة الان ياحاج ،وأنا أحس أن ابنى فى خطر ،يصيح الرجل فيها قائلا" ..اسكتى يا بهية …انا النار مشتعلة فى جسدى ..فلا تزيديها اشتعالا" …وسأل عن محمد وعبد الله ..فردت أخته عليه ..لابد أنهم عند السراى الان …القرية كلها هناك ..وكان لابد أن يذهب الحاج سيد الى السراى ليعود بابنائه …وظل يستطلع الوجوه الى ان عثر على بكر بينهم ..فنادى عليه ..وأمره أن يعود الى الدار ويسافر الى القاهرة ..ولا يعود الا وأخيه معه …وسأله عن اخوته فقال انهم هنا بين الجموع …فدس الحاج سيد فى يديه ورقة مالية كمصاريف للسفر …وعاد بكر الى الدار وتأهب للسفر،وارادت أمه أن تجهز له زوادة الطعام ..فرفض بكر وقال لها ..يا أمى سوف نعود من حالنا أنا والسعيد فلا داعى لذلك …وينطلق بكر الى الطريق ..ليركب القطار …فوجد أن الناس تعتلى السيارات النقل الكبيرة وفى ايديها جذوع الاشجار الخضراء والعصى ..فى مواكب متحركة الى القاهرة لتأييد الثورة …فركب معهم ..حتى وصلوا الى مشارف العاصمة ..وقد هدأت سرعة السيارات ..ووجدوا بعض الاليات العسكرية والدبابات على جانبى الطريق …والعسكريون يلوحون لهم بعلامة النصر ،ويرد الفلاحون على ظهر السيارات بالتلويح بفروع الاشجار والرقص والتصفيق ، وسمح للسيارات بمواصلة الطريق ،وبكر عينه على أقرب مسافة الى سكن أخيه ..حتى قفز من السيارة وهى تسير ..فى طريقه الى السكن ..حتى وصل وصعد درجات السلم  ليجد أن الباب مغلق ،فيدق عليه لعله نائم …الا انه لم يسمع أى بادرة توحى بأن أحدا" بداخلها ..فينزل الى الاسفل ويطرق على صاحب المنزل ..وايضا" لا أحد يجيب …يفكر بكر ماهو العمل الان …وينظر الى المارة فى الشارع فيجد الحركة والجلبة والصياح …والاعلام المرفوعة فى ايديهم ..ويقرر ان يذهب مع هذه الجموع فى محاولة لقتل الوقت الى أن يعود أخيه …ووجد الناس تسير فى اتجاه واحد …حتى وصلوا الى ميدان فسيح …به جمع كثيف …وعلى بعد من الرؤية هناك بعض الدبابات والسيارات العسكرية امام مبنى من طابقين عليه علم البلاد الاخضر ذو الهلال والنجوم الثلاث…ويلمح من النوافذ فى ذلك المبنى حركة من رجال يرتدون الزى العسكرى …وفى الشرفة العالية بعض الرجال يلوحون للجماهير الهادرة …يتوسطهم رجل ذو بشرة سوداء ..تلمع على كتفيه رتبته العسكرية ممسكا" بعصا" سوداء…ثم يرتفع مكبر الصوت معلنا" أن قائد الثورة سيتحدث اليكم بعد قليل …يقول بكر فى نفسه …انا سأشاهد قائد الثورة الان …وسأسمعه …وسأعود وأحكى مارأيت لاهل قريتى ولن يصدقونى …ترى من هو هذا الرجل ؟ يسأل بكر من بجانبه عنه …يرد الرجل انتظر وستعرف ..يمسك الرجل الاسمر بالميكرفون …ويقول أنا اللواء محمد نجيب وهؤلاء هم أعضاء مجلس قيادة الثورة …قمنا بالثورة من اجلكم …وكنا على استعداد لنضحى بارواحنا فى سبيلها …انتظروا الخير كله ..ستعيد الحقوق الى اصحابها ونخلص البلاد من الخونة ونقضى على الفساد والاقطاع .

يفرح بكر فى نفسه فقد رأى وسمع قائد الثورة وعنده مايقوله لاهل قريته ويبشرهم بالخير الذى قاله ذلك الرجل الاسمر ،وينسحب فى هدوء عائدا" الى السكن …لعله يجد أخيه هناك …يصعد درجات السلم ..ويلمح باب الغرفة مفتوحا" …لابد أنه السعيد وقد عاد …يقف على باب الغرفة …فيجد أخيه يرتب حقيبته …وما أن رآه السعيد حتى احتضنه …وقال له هل جئت مع الناس التى حضرت من الاقاليم لتحية رجال الثورة …فقال له نعم …ولم يشأ أن يخبره أنه جاء من أجله …فقال له وهل اتى معك أى فرد من القرية …فقال له بكر القرية مشغولة الان بالسراى والباشا …ومكى له ماجرى وماكان …والسعيد يقول له ..الله أكبر …فى قريتنا ثورة أخرى …وضحك من أعماقه …وقال لاخيه …آآآآآآآآه يابكر لقد كانت ليلة الامس من أطول الليالى التى مرت بحياتى ….فلم نعرف النوم …وقد ساورنا الخوف والقلق من المجهول الذى ينتظر هذا الشعب ….كانت الدبابات تسير فى الشوارع ..وهناك حركة غير عادية ….وبعض اصوات طلقات الرصاص فى الهواء …حتى اننى قلت لابد أنهم الانجليز يتعقبون افراد المقاومة الشعبية …حتى أن الشيخ صاحب المنزل اغلق الابواب علينا ومنعنا من الخروج …وظللت طوال الليل اراقب حركة الشارع من وراء النافذة …وهكذا كل من حولى …حتى صعد الرجل صاحب المنزل فى الصباح يبشرنى أنه سمع البيان فى الراديو بأن هناك ثورة فى البلاد وانهم استولوا على الحكم .

ولم أصدق ماسمعت ..وظننت أن الرجل لايدرك مايقول أو أنه فسر ماسمعه خطأ" ، الى أن نادى علىّ مرة أخرى وقال اسمع ..انه بيان آخر …وتأكدت أن هناك ثورة …ينظر السعيد الى أخيه وقال له انك مرهق وتبدو عليك علامات النوم …فيرد بكر نعم اريد أن انام ولو ساعة ..وبعدها سأسمعك  طول الوقت ….يحمل السعيد الحقيبة من على السرير …ويترك أخيه لينام..ويغادر الغرفة الى الشارع ليجهز بعض الطعام لهما …وفى العودة يسأله صاحب المنزل …هل معك أحدا" فى الغرفة ..فيقول له انه أخى بكر فيطلب منه أن يصعد لتحيته …فيخبره انه نائم الان وحين يصحو سيخبره …ويستغل السعيد نوم أخيه ويكمل محتويات الحقيبة حتى يكون جاهزا" للسفر فى الصباح.

ونكمل ان شاء الله قريبا"

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |   دوّن الإدراج  

10 تعليق على “…الثورة”

  1. بيتهيألى المره دى ليا حق ازعل فعلا
    ياعم قول حاجه
    مش معقول كل مره اعرف بالصدفه!!!!!!
    ماشى يا عم حمدى
    هاتابع برضه

  2. وصف رائع لاحداث الثورة ورد الحق لاصحابه
    تنويهك ان النصر أذاب مابين الاخوات من ضغائن وخوف الاب على ابنائه وتناسيه لاى غضب فى منتهى الجمال
    تمنيت ان ارى مثل هذه الثورة فى ايامنا هذه
    اين ذهب هذا المصرى؟
    فى انتظار البقيه

  3. عاجبنى قوى انى بالخبر ده واللى هو للأسف حقيقى انى خرجت من كل واحد منكم روح ساخرة اكتر منى.
    ههههههه
    والله لاوريكم
    ههههه
    كل شويه هاجيبلكم خبر من البلد المدوده دى يستفزكم ويخرج اللى جواكم بدل ما تطقوا يا حرام
    هههههه

  4. استاذ حمدي الرائع مساء الورد يا كاتب الورد وجمعة مباركة عليك يا رب قصة حضرتك بالذات مش عاوزة مرور كرام استناني بالييل بالراحة عشان اديها حقها ليه طلب عندك تعالى بسرعة اقرى مكتوب ايه عندي في الموضوع الجديد اتمنى انه يروق لسعادتك

  5. استاذ حمدي
    قصه رائعه وشيقه واحداثها جميله واتمنى لك المزيد من الابداع الذي نستمتع به
    وممكن لما يكون في جديد تقول علشان احنا بنستنا كل جديد منك
    وادعوك لزيارة جديد ودمت بحب

  6. ست الكل /ايمان حلمى
    لو راجعتى التوقيت
    هاتلاقينى سابقك فى التنويه عن الفصل
    عموما” اوعى تزعلى منى
    وكل فصل هاكون عندك
    تحياتى ياستى

  7. اشكرك سيدتى المحترمة
    على القراءة والتعليق الجميل
    والمصرى ده موجود والله
    ولسة مصر بخير
    اهنئك على الملاحظات الذكية
    تحياتى سيدتى ومودتى

  8. والروح الساخرة
    خرجت مننا بكل عفوية
    فشر البلية مايضحك
    كان ناقص الدود الاسترالى
    مايجيبولنا عجول احسن ندبحها
    خلى الشعب ياكل ويهيص
    ههههههههههههه

  9. استاذة /سارة
    اشكرك على كل كلمة فى حقنا
    وكم اود ان ارد التحية بادراج تستحقينه
    وغدا” لناظره قريب
    وكنت عندكم وتركت التعليق هناك
    انتظرتك هنا كما وعدتى
    لعل المانع خير
    تحياتى ومودتى

  10. اريام
    اهلا” بك زائرة عزيزة لنا
    ونشكرك لك جميل كلماتك
    ونعدك باعلامك بالجديد
    تحياتى ومودتى



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر